الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
406
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )
والعمدة فيه قبل الآيات والروايات سيرة العقلاء عموما ، وسيرة أهل الشرع خصوصا في رجوع الجاهل إلى العالم ، والأولى حجة بعد إمضاء الشرع ولو بعدم الردع ، والثانية حجة من دون حاجة إلى أمر آخر . أمّا الأولى فهي ظاهرة لمن نظر في أمور العقلاء ، لأنّ المتداول بينهم من قديم الأيّام إلى حديثه ، ومن أرباب الديانات إلى غيرهم ، رجوع كل جاهل في علم وفن إلى عالمه ، لا تجد له نكيرا ولا تسمع فيه خلافا . والسّر فيه أن العلوم والفنون كثيرة ، متشعبة بشعب مختلفة ، لا يقدر كل إنسان - أي إنسان كان - على الاجتهاد في جميعها ، بل ولا في عشر من أعشارها ، ولذا قد يكون مجتهدا في علم أو علمين ، في فن أو فنين دون غيرها ، فالطريق له هو الأخذ بقول من هو مجتهد فيها ، فالمهندس يرجع إلى الطبيب إذا مرض ، كما أن الطبيب يرجع إليه إذا أراد بناء بيت أو مستشفى ، ولا يستغني واحد منهما عن الآخر ، وكذا أرباب الحرف والصنائع والعلوم ، وهذا أمر واضح . وأمّا العمل بالاحتياط فغير ممكن إلّا لبعض الأوحدي من أهل الفضل ، ولا في جميع المسائل ، فانّ الأمر في بعضها يدور بين المحذورين لا بدّ من الاجتهاد فيها ، كما إذا نذر الصوم في السفر لا يدري أنّه صحيح حتى يكون واجبا أو باطل حتى يكون حراما ، وكذا إذا حكم الحاكم بأن اليوم يوم عيد ، فانّ قلنا باعتبار حكم الحاكم في الهلال فيحرم عليه الصيام ، وإلّا فيجب عليه إلى غير ذلك من اشباهه . وما قد يقال - كما قال به شرذمة قليلة - من أنّ التقليد حرام وأنّه يمكن لجميع الناس الرجوع إلى كتاب اللّه وكتب الحديث وأخذ الأحكام فيها والعمل بها ، فاسد جدّا ، لا يمكن التفوه به إلّا من غافل عن كيفية استنباط الأحكام من الكتاب والسنة ، فانّه يحتاج إلى معرفة اللغة والعلوم الأدبية والتفسير والحديث والرجال وعلم الأصول وغير ذلك ، ومعرفة الناسخ من المنسوخ ، والحاكم من المحكوم ، والعام من الخاص ، والمطلق من المقيد ، ومعرفة أحكام المتعارضين ، وطريق الجمع بينهما ، وكيف يقدر جميع الناس على ذلك ، حتى إذا فرضنا اقبالهم على الفقه وترك جميع التجارات والزراعات والصنائع والحرف ، الذي ينتهى إلى